ابن حجة الحموي
228
خزانة الأدب وغاية الأرب
فاقتران هذه الجملة أيضا بامتناع قعود القوم فوق الشمس المستفاد بلو هو الذي أظهر بهجة شمسها في باب الإغراق ومما استشهدوا به على هذا النوع بغير أداة التقريب قول امرئ القيس تنورتها من أذرعات وأهلها * بيثرب أدنى دارها نظر عالي وبين المكانين بعد تام فإن أذرعات من الشام والنار التي تنورها من أذرعات كانت بيثرب مدينة النبي وقد أثبتوا هذا الشاهد في باب الإغراق لأنهم قالوا لا يمتنع عقلا أن ترى النار من بعد هذه المسافة وأن لا يكون ثم حائل من جبل أو غيره من عظم جرم النار ولكن ذلك ممتنع عادة هذا إن جعلنا تنورتها نظرت إلى نارها حقيقة وأما إن جعلناه بمعنى توهمت نارها وتخيلتها في فكري فلا يكون في البيت إغراق ومثله قول أبي الطيب المتنبي في صباه روح تردد في مثل الخلال إذا * أطارت الريح عنه الثوب لم يبن كفى بجسمي نحولا أنني رجل * لولا مخاطبتي إياك لم ترني وقالوا هنا لا يمتنع عقلا أن ينحل الشخص حتى يصير مثل الخلال ولا يستدل عليه إلا بالكلام إذ الشيء الدقيق إذا كان بعيدا لا يرى بخلاف الصوت ولكن صيرورة الشخص في النحول إلى مثل هذه الحال ممتنع عادة ولعمري إن الشيخ شرف الدين بن الفارض ضم خصر هذا المعنى الرقيق ورشحه بنفائس العقود حيث قال كأني هلال الشك لولا تأوهي * خفيت فلم تهد العيون لرؤيتي قلت إذا قابلنا نحول المتنبي بهلال الشك الذي أبرزه ابن الفارض لم تبعد المقارنة لكن من قابل قول المتنبي انني رجل لولا مخاطبتي بقول الشيخ شرف الدين ابن الفارض في بيته كأني هلال الشك لولا تأوهي لا بد أن يقابله الله على ذلك وأين لطف لولا تأوهي من ثقل لولا مخاطبتي فالفرق بين خطاب الرجل وتأوه هلال الشك لا يخفى على حذاق أهل الأدب ومنه قول بعضهم قد سمعتم أنينه من بعيد * فاطلبوا الشخص حيث كان الأنين قلت ما برح طائر فكري يحوم على ورد هذا المعنى الذي حصلت فيه المواردة على أن الشخص لا يرى لشدة نحوله إلا بأنين أو تأوه وأريد أن أرشحه بنكتة إلى أن قلت من قصيدتي التي عارضت بها كعب بن زهير وامتدحت بها النبي وفوق طرس مشيبي أرخوا تلفي * وذلك الطرس فوق الرأس محمول وقد تجاوز جسمي حد كل ضني * وها أنا اليوم في الأوهام تخييل وقد تقدم وتقرر أن أداة المقاربة ما استعملت في الإغراق إلا لتنقله من الامتناع إلى الإمكان وهذا الذي أوردته بغير أداة المقاربة هنا إن كان يبعد عادة لا يبعد عقلا ومما استشهدوا به على نوع الإغراق بلو التي يمكن الإغراق بها عقلا ويمتنع عادة قول القائل ولو أن ما بي من جوى وصبابة * على جمل لم يبق في النار كافر يريد أنه لو كان ما به من الحب بجمل لنحل حتى يدخل في سم الخياط وذلك لا يستحيل عقلا إذ القدرة قابلة لذلك لكنه ممتنع عادة وهذا غاية في الإغراق وأورد الشيخ شهاب الدين ابن جعفر المغربي الأندلسي في شرحه الذي كتبه على بديعية صاحبه شمس الدين محمد بن جابر الأندلسي على هذا البيت حكاية لطيفة وهي أن إبليس تعرض لبعض الأولياء فلم ينل منه غرضا فقال له الولي من أشد عليك العابد الجاهل أو العالم المسرف على نفسه فقال العالم المسرف وأما العابد الجاهل فهو في قبضتي أدخل عليه في دينه من حيث شئت وأنا أريك ذلك فانطلق به إلى أعبد الجهال في ذلك الزمان فطرق عليه الباب فخرج إليهما فقال له إبليس جئت أستفتيك هل الله قادر على أن يدخل الجمل في سم الخياط أو لا فتوقف وتحير وغلق الباب فقال إبليس للولي ها هو قد كفر بالشك في قدرة الله تعالى ثم انطلق